الأحد، 5 أغسطس 2018

خطوات باتّجاه نظريّة صغيرة للمرئيّ


ترجمة لنص Steps Towards a Small Theory of the Visible من كتاب The Shape of a Pocket لجون بيرجر

-إلى إيف

"عندما أنطق بالسطر الأوّل من "الصلاة الربيّة": "أبانا الذي في السماء"، أتخيّل أن الجنّة غير مرئيّة ولا يمكن الدخول إليها، لكنّها قريبة بشكل حميميّ. ليس ثمّة أمر باروكيّ في هذا التخيّل: فلا فضاء لا نهائي يحوم، ولا أوهام صور قريبة/ بعيدة مذهلة. للعثور عليها – إذا ما أُنعِم على المرء- سيكون من الضروري حمل شيء صغير في اليد كحصوة أو مملحة على الطاولة.

"ليأتِ ملكوتك" ثمّة اختلاف لا نهائي بين الجنّة والأرض، لكن المسافة تقليليّة. كتبت سيمون فيه[i] حول هذه الجملة: "تخرق هنا رغبتنا الزّمن لتجد الخلود وراءه، ذلك يحصل عندما نعرف كيف نحوّل كل ما يحدث، بغض النّظر عن ماهيته، إلى رغبة". قد تكون كلماتها وصفاً لفن الرّسم أيضاً.

تتكاثر اليوم الصور في كل مكان. لم يتواجد هذا الكم ممّا تم تصويره ومشاهدته من قبل. يمكننا اختلاس النّظر في أي لحظة إلى الكيفيّة التي تبدو بها الأشياء في الجانب الآخر من الكوكب، أو الجانب الآخر من القمر. تم تسجيل المظاهر، وانتقلت بسرعة البرق.

مع ذلك، تغيّر شيء ببراءة. كانت المظاهر تسمّى ]مظاهرَ[ ماديّة لأنّها انتمت إلى أجساد صلبة. لكنّها الآن متبخّرة. سهّلت الابتكارات التقنيّة من فصل الظّاهر عن الوجود. وهذا بالضّبط ما تحتاجه أساطير النّظام باستمرار لاستخدامه: حيث تحوّل المظاهر إلى انكسارات كالسّراب. انكسارات لا للضوء، بل للشهيّة. في الواقع، شهيّة واحدة فقط: شهيّة للمزيد.

وبالتالي- وبشكل غريب، مع الأخذ بعين الاعتبار المضامين الماديّة لمفهوم الشهيّة- الموجود، الجسد، يختفي. نعيش ضمن مشهد من الملابس الفارغة والأقنعة البالية.

خذ بعين الاعتبار أي صحيفة أو تلفزيون في أي بلد. هؤلاء المتحدّثون هم صورة آليّة مصغّرة عن اللاجسديّة. احتاج النّظام أعواماً كثيرة لاختراعهم وتعليمهم الحديث كما يفعلون.

لا أجساد ولا ضرورة- لأن الضرورة شرط الوجود. وهذا ما يجعل الواقع حقيقةً، بينما تتطلّب أساطير النّظام ما لم يصبح حقيقةً بعد فقط: الافتراضيّ، المشتريات التالية. هذا لا يُنتج في المتفرِّج حسّاً بالحريّة، كما يدّعى (ما يدعى بحريّة الاختيار)، بل عزلةً عميقة.

واجه التاريخ حتّى وقت قريب، وكل ما كشفه النّاس عن حياتهم، كل الأمثال والخرافات والحكايات الأخلاقيّة، الشيء ذاته: صّراع العيش الدائم والمخيف، وأحياناً الجميل مع الضرورة: لغز الوجود- والذي تلاه من زمن الخلق، والذي، بالتالي، دائماً ما استمر بشحذ الروح البشريّة. تنتج الضرورة المأساة والمهزلة. الضرورة هي ما تقبّل، أو تضرب رأسك به.

لم تعد هذه الضرورة في مشهديّة النّظام موجودة اليوم. وبالتالي، لم تنتقل الخبرات. ولم تبقَ إلّا المشهديّة لمشاركتها: اللعبة التي لا يلعبها أحد ويستطيع أن يشاهدها الجميع. وكما لم يحدث من قبل، على النّاس محاولة وضع وجودهم وآلامهم الخاصّة بأنفسهم في ميدان الزّمن والكون الشّاسع.

حلمتُ مرّةً بأنّني تاجر غريب: أتاجر في الهيئة أو المظاهر، أجمعها وأوزّعها. كنت اكتشفت سرّاً في الحلم بنفسي من دون مساعدة أو نصيحة.

كان السّر أنّني أدخل باطن ما كنت أبحث عنه، سواءً كان دلواً من الماء، أو بقرةً، أو مدينةً (مثل توليدو) يمكن رؤيتها من الأعلى، أو شجرة بلّوط. وبمجرّد دخولي، أرتّب مظاهرها للأفضل. لم يكن يعني "أفضل" تجميل الشيء أو جعله أكثر تناسقاً، ولم يكن يعني أيضاً جعله نموذجيّاً: حيث يمكن لشجرة البلّوط أن تمثّل كل أشجار البلّوط، بل عنى ذلك ببساطة جعلها أكثر خصوصيّة، حتّى تصبح البقرة أو المدينة أو دلو الماء أكثر وضوحاً بشكل فريد.

أسعدني القيام بذلك، وكان لدي انطباع بأن التغييرات الصغيرة التي قمت بها من الداخل أسعدتْ الآخرين.

كان سر الدخول إلى بواطن الأشياء لترتيب مظهرها بسيطاً كفتح باب أو خزانة ملابس. حينما فُتِح الباب من تلقاء نفسه، ربّما كان أمراً سهلاً كمجرّد تساؤل حول التواجد هناك. لكن عندما استيقظت، لم أستطع تذكّر كيف كان يتم ذلك، ولم أعد أعرف كيف أدخل في بواطن الأشياء.

غالباً ما يتم تقديم تاريخ الرّسم على أنّه تاريخ من الأساليب المتتالية. في عصرنا هذا، استخدم تجّار الفن ومروّجوه معركة الأساليب هذه لصنع أسماء علامات تجاريّة للسوق. يشتري العديد من مقتني الأعمال الفنيّة والمتاحف أسماءً بدلاً من أعمال.

ربّما جاء الوقت لنسأل سؤالاً ساذجاً: ما الذي تشترك فيه كل اللوحات (الرسومات) من العصر الحجري القديم ]الباليوثي[ حتّى هذا القرن؟ تعلن كل لوحة منسوخة: رأيت هذا من قبل، أو عندما تم دمج صناعة الصورة في الطقوس القبليّة: رأينا هذا من قبل. تشير "هذا" إلى المشهد المقدّم هنا. لا يستثى الفن غير التشخيصي من ذلك. إذ تمثّل لوحة متأخّرة لروثكو إضاءةً أو توهّجاً لونيّاً مستمدّاً من تجربة الفنّان مع المرئيّ. عندما كان يعمل، كان يحكم على قماش الكانفاس الخاص به وفقاً لشيء آخر رآه.

الرّسم، في المقام الأوّل، تأكيدٌ على المرئيّ الذي يحيط بنا، والذي يظهر ويختفي باستمرار. فبدون الاختفاء، قد لا يكون هناك من دافعٍ للرسم، لأن المرئيّ ذاته سيتملّك اليقين (الدواميّة) التي تسعى اللوحة لإيجادها. الرّسم تأكيد على الوجود، تأكيد على العالم المادي التي ألقيت به البشريّة بطريقة أكثر مباشرة من أي فنٍّ آخر.

كانت الحيوانات أوّل موضوع للرّسم. ومنذ البداية، ومن ثم الاستمرار عبر الفن السومري والآشوري والمصري واليوناني المبكّر، كان تصوير هذه الحيوانات حقيقيّاً بشكل مذهل. كان على عدّة آلاف من السنين أن تمرّ قبل أن يتم تحقيق تصوير "ناطق بالحياة" لجسد الإنسان. في البداية، كان الوجود ما واجه الإنسان.

كان الرّسامون الأولون صيّادين تعتمد حياتهم، مثل الجميع في القبيلة، على معرفتهم الوثيقة بالحيوانات. لكن لم يكن فعل الرّسم يشابه فعل الصّيد، فالعلاقة بين الاثنين كانت سحريّة. وجدت في عدد من رسوم الكهوف المبكّرة تمثيلات من الاستنسل[ii] لليد البشريّة بجانب الحيوانات. لا نعلم بالضّبط الطّقس الذي استدعى ذلك. لكنّنا نعلم أن الرسومات كانت تستخدم للتأكيد على "الرفقة" السحريّة ما بين الفريسة والصيّاد. أو بشكل أكثر تجريداً: ما بين الوجود والبراعة البشريّة. كان الرّسم وسيلة لتوضيح هذه الرفقة الدائمة (على أمل ذلك).

يمكن أن يستحق الموضوع التفكير فيه بعد وقت طويل من فقدان الرّسومات لقطعان حيواناتها ووظائفها الطقوسيّة. أعتقد أنّه يعلمنا بشيء حول طبيعة الفعل.

لا يأتي دافع الرسم من الملاحظة ولا حتّى من الروح (المعميّة على الأرجح)، لكن من لقاء: لقاءٌ ما بين الرّسام وموضوع الرّسم- حتّى لو كان الموضوع جبلاً أو رفّاً لقوارير أدوية فارغة. كان جبل سان فيكتوا كما يظهر من إكس (يظهر بشكل مختلف جداً من أي مكان آخر) رفيق سيزان.


عندما تكون اللوحة بلا حياة، ذلك لأن الرسّام لا يمتلك الجرأة على الاقتراب بما يكفي لبدء التعاون، باقٍ في مسافة تسمح له فقط بالنّسخ، أو، كما هو الحال في الفترات المألوفة مثل يومنا هذا، يبقى على مسافة تأريخيّة فنيّة، لاعباً الحيل الأسلوبيّة التي لا يعرف عنها موضوع الرسم شيئاً.

القرب يعني نسيان التقاليد، والسّمعة، والمنطق والتسلسل الهرمي والذّات. القرب يعني أيضاً المجازفة باللاترابط، وحتّى الجنون. لإنّه من الممكن أن يقترب أحدهم أكثر من اللازم، ثم ينهار التعاون، ويذوب الرّسام في موضوع الرّسم. أو يلتهم الحيوان الرّسام أو يسحقه بالأرض.

تظهر كل لوحة أصلانيّة تعاوناً. لننظر إلى تصوير بيتروس كريستوس الشّخصي لفتاة يافعة في متحف ستاديش ببرلين، أو المشهد البحري العاصف لكوربيه في اللوفر، أو الفأر مع باذنجانة التي رسمه شو تا[iii] في القرن السابع عشر، فمن المستحيل إنكار مشاركة موضوع الرّسم. بالفعل، اللوحات ليست في المقام الأول حول فتاة يافعة أو بحر مائج أو فأر مع حبّة خضار، بل عن هذا التعاون. كتب شيتاو، رسّام المشاهد الصيني العظيم في القرن السّابع عشر: "ريشة الرّسم هي لإنقاذ الأشياء من الفوضى".

نحن نتجوّل في منطقة غريبة، وأنا أستعمل الكلمات بشكل غريب. ثمّة بحر مائج على ساحل فرنسا الشمالي، في يوم خريفي سنة 1870، وأنا أشارك في المشهد عن طريق رؤية شخص ملتحٍ لي، وفي السنة المقبلة، سيوضع هذا الرّجل في السّجن[iv]. ومع ذلك، لا توجد طريقة أخرى للاقتراب من الممارسة الفعليّة لهذا الفن الصّامت، والذي يوقف كل ما يتحرّك.


العين سبب وجود المرئي: تطوّرت العين حيث كان ثمّة ضوء كافٍ لأشكال الحياة المرئيّة أن تصبح أكثر وأكثر تعقيداً وتنوّعاً. فألوان الأزهار البريّة، مثلاً، هي الألوان التي وجدت بها لكي يُنظر إليها. وتظهر السّماء الفارغة باللون الأزرق بسبب بنية أعيننا وطبيعة النّظام الشّمسي. ثمّة أساس كينونيّ معيّن للتعاون ما بين موضوع الرّسم والرّسام. كتب سيليسيوس، طبيب عاش في القرن السابع عشر بـ"فروتسواف"، عن العلاقة الاتّكاليّة ما بين المرئي والمشاهدة بطريقة صوفيّة:

الوردة التي تتأمّل لبّ عينك
وتتبرعم في أبديّة الله

يسأل الرّسام: كيف أصبحتِ ما تظهرين عليه؟
يجيب الجبل أو الفأر أو الطفل: أنا كما أنا عليه، أنا أنتظر. ماذا تنتظر؟
أنتظرك أنت، إن تخلّيت عن كل شيء آخر.
إلى متى؟
متى يستغرق الأمر من الوقت.
ثمّة أمور أخرى في الحياة.
اعثر عليها وكن أكثر طبيعيّةً.
وإذا لم أفعل؟
سأعطيك ما أعطيته لغيرك، لكنّه بلا قيمة، إنّه ببساطة الجواب على سؤالك غير المجدي.
غير مجدٍ؟
أنا ما أنا عليه.
لن تعدني بأكثر من ذلك؟
كلّا. يمكنني الانتظار إلى الأبد.
أود الحصول على حياة طبيعيّة.
إذاً عشها ولا تعوّل عليّ.
وإذا عوّلت عليك؟
إنسَ كل شيء، وستجدني في داخلي.

نادراً ما يقوم التعاون، الذي يتبع أحياناً، على النيّة الحسنة، إذ عادة ما يقوم بشكل أكثر على الرّغبة، أو الغضب، أو الخوف، أو الشفقة أو الحنين. الوهم الحداثي المتعلّق بالرّسم (والذي لم يفعل ما بعد الحداثيون شيئاً لتصحيحه) هو أن الفنّان خالق. بل الفنّان مستقبل. وما بدا على أنّه خلق، هو في الواقع فعل إعطاء شكل لما كان قد تلقّاه.

جاءت بوجينا وروبرت[v] وشقيقه فيوتك لقضاء الأمسية لأنها كانت رأس السنة الروسيّة. حاولت أن أرسم بوجينا وأنا أجلس على الطاولة وهم يتكلّمون بالروسيّة. لم تكن تلك أوّل مرة، لطالما فشلت لأن وجهها متحرّك بنسبة كبيرة وأنا لا أستطيع نسيان جمالها. وإذا كنت تريد الرّسم بشكل جيّد، يجب عليك نسيان ذلك. غادروا بعد وقتٍ طويل من انتصاف الليل. وعندما كنت أعمل على رسمي الأخير، قال لي روبرت: هذه آخر فرصة لك الليلة، ارسمها جون، ارسمها وكن رجلاً.

عندما غادروا، أخذت أقل الرسومات سوءاً وبدأت أعمل عليها بألوان الآكريليك. وفجأة، مثل دوّارة الريح التي تدور حول نفسها بسبب تغّير الريح، أصبح البورتريه يبدو مثل شيء ما. أصبح "شكلها" الآن في ذهني- وكل ما عليّ فعله الآن هو استخلاصه، لا البحث عنه. تمزّقت الورقة. كنت أحياناً أدعك الألوان بكثافة ككثافة المرهم. بدأ الوجه في الرابعة صباحاً يلائم، يبتسم بوجه، تمثيله الخاص.

في اليوم التالي، كانت قطعة الورق الضعيفة، والي ترزح تحت ثقل الألوان، لا تزال تبدو جيّدة. وفي ضوء النّهار، كانت هناك فروقات طفيفة في درجات اللون يجب تغييرها. تنزع الألوان التي يتم رسمها في الليل لليأس- كالأحذية التي يتم خلعها من دون حلّها تماماً. والآن أصبحت جاهزة.

كنت أذهب من وقتٍ إلى آخر خلال النّهار لأنظر إليها، وكنت أشعر بالانتشاء. هل لأنّني أنجزت رسماً صغيراً كنت مسروراً به؟ بشقّ الأنفس. جاءت النشوة من مكان آخر: جاء من مظهر الوجه- كما لو كان خروجاً من الظّلمة. جاء من حقيقة أن وجه بوجينا قد أهدى ما يمكن أن يتركه من نفسه وراءه.

ما هو الشبه؟ يترك الناس وراءهم عندما يموتون، لمن يعرفونهم، فراغاً، فضاءً: الفضاء لديه ملامح مختلفة لكل متفجّع. هذا الفضاء وملامحه هو شبه الشخص، وهو ما يبحث عنه الفنّان عند صنع بورتريه حيّ. الشبه هو شيء ترك بخفاء.

كان سوتين واحداً من أعظم رسّامي القرن العشرين. احتاج ذلك 50 عاماً ليكون أمراً واضحاً، ذلك أن فنّه كان تقليديّاً وغير مشذّب، فأساء هذا المزيج لكل الأذواق التي اتّبعت الموضة. كان الأمر كما لو كانت لوحته تتكلّم بلكنة ثقيلة ومحطّمة، كما كانت تعتبر لثغاء، وفي أفضل الأحوال: تنتمي لبلاد غريبة، وأسوأها: بربريّة. واليوم، أصبح تفانيه في الوجود أكثر مثاليّةً فأكثر. كشف قليل من الرسّامين مثله عن رسوم نابض بالحياة أكثر من أنّها تعاون، ضمني في فعل الرّسم، ما بين موضوع الرّسم والرسّام. إذ تشبّثت شجر الحور، والجثث، ووجوه الأطفال على قماش لوحات سوتين بريشته.

كتب شيتاو، إذا ما اقتبسناه مرة أخرى:

"اللوحة نتيجة لاستقبال الحبر: الحبر منفتح على الفرشاة: الفرشاة منفتحة على اليد: اليد منفتحة على القلب: كل ذلك بنفس الطريقة التي تولِّد السماء فيها ما تنتجه الأرض: كل شيء نتيجة التلقّي".

عادةً ما يقال عن الأعمال المتأخّرة لتيتان أو رامبرانت أو تيرنر بأن تعاملهم مع الألوان أصبح أكثر تحرّراً. وعلى الرّغم من أن ذلك، بمعنىً ما، صحيح، إلّا أنّه يمكن أن يعطي انطباعاً خاطئاً عن التعنّت. في الواقع، أصبح هؤلاء الرّسامون في شيخوختهم أكثر تكراراً، وأكثر انفتاحاً على جاذبيّة "موضوع الرسم" وطاقته الغريبة. كان الأمر كما لو أن أجسادهم تتساقط عنهم.

حين يفهم مبدأ التعاون، يصبح معياراً للحكم على الأعمال بأي أسلوبٍ كانت، بغض النّظر عن حرّيتها بالتعامل. أو بالأحرى (لأن الحُكم لا علاقة له بالفن)، لأنّها تمنحنا الرؤية بشكل أكثر وضوحاً لسبب تأثرنا باللوحات.

رسم روبينز محبوبته هيلين فورمينت عدّة مرّات. كانت تتعاون أحياناً، ولا تتعاون أحياناً أخرى. وعندما لم تكن تتعاون، كانت لا تزال مثالاً فنيّاً، وعندما فعلت، نحن أيضاً في انتظارها. هناك لوحة لورود في مزهريّة لموراندي (1949) حيث تنتظر الورود كالقطط حتّى تدخل مجال رؤيته. (هذا أمر نادر جدّاً بالنسبة لمعظم لوحات الورود التي بقيت على نقاء مشهديّتها). هناك بورتريه لرجل رسمت على خشب قبل ألفي عام، والذي نستطيع الشعور بتعاونه حتى الآن. هناك لوحة لأقزام رسمها فيلاثكيث، كلاب رسمها تيتان، منازل رسمها فيرمير، حيث نستطيع تمييز طاقة "الرغبة في ألّا تتم رؤيتها".

يذهب الناس بشكل أكبر مع الوقت إلى المتاحف لمشاهدة اللوحات دون أن يخيب أملهم. ما الذي يذهلهم؟ إذا كان الجواب: الفن، أو تاريخ الفن، أو تقدير الفن، فإنّنا تخطّينا ما هو جوهري برأيي.

نأتي، في المتاحف الفنيّة، في مجال رؤية حقب أخرى تمنحنا الرفقة. نشعر بالوحدة بشكل أقل وطأة بمواجهة ما يظهر ويختفي أمامنا كل يوم. تستمر كثير من الأمور بالتشابه: الأسنان، والأيدي، والشّمس، وسيقان النساء، والسّمك، في عالم تتعايش وتتآخى فيه كل الحقب الزمنيّة، سواءً كانت مفصولة بقرون أو آلاف السّنين. وعندما لا تكون الصورة المرسومة نسخة، بل نتيجة عن حوار، ستتحدّث اللوحة إذا ما أنصتنا.

بما يتعلّق بالمشاهدة، كان جوزيف بويز نبيّ النّصف الثاني من قرننا[vi] العظيم، وكانت أعمال حياته بمثابة استعراض، ومطالبة بنوع التعاون الذي أتكلّم عنه. فإيماناً بأن الجميع يمتلكون القدرة على أن يكونوا فنّانين، تناول مواضيع ورتّبها بطريقة تبدو وكأنّها تتوسّل للمشاهد بأن يتعاون معها، ليس بالرّسم هذه المرّة، بل بالاستماع إلى ما تخبره به أعينهم وبالتذكّر.

أعرف عدد قليل من الأشياء أكثر حزناً (حزناً وليست مأساويّة) من فقدان حيوان لرؤيته. فعلى النقيض من البشر، لا يترك للحيوان لغة مساعدة يستطيع من خلالها وصف العالم. يستطيع الحيوان، إذا كان على أرضٍ مألوفة، أن يجد طريقه عن طريق أنفه. لكنّه جرّد من الوجود، ومع هذا التجريد يبدأ بالتضاؤل حتّى يصبح ما يفعله أكثر قليلاً من النوم، وهناك ربّما سيصطاد حلماً كان موجوداً فيه من قبل.

تنظر الماركيز دو سورسي دو تيلوسون، التي رسمها دايفيد العام 1790، مباشرة إليّ. من كان يستطيع التنبّؤ في وقتها بالعزلة التي يعيشها النّاس اليوم؟ العزلة التي يتم التأكيد عليها يوميّاً بواسطة شبكة من صور زائفة وبلا جسد عن العالم. لكن زيفها ليس خطأً. إذا تم اعتبار السعي نحو الرّبح هو الوسيلة الوحيدة لخلاص البشريّة، فالعائد يصبح أولويّة مطلقة، وبالتالي، لا بد من إهمال أو تجاهل أو إخضاع الوجود.

محاولة رسم الوجود اليوم هو فعل مقاومة يحرّض على الأمل.






[i] :Simone Weilفيلسوفة وناشطة سياسيّة وعالمة روحانيّات فرنسيّة. ترجم لها محمّد علي عبد الجليل نصوصاً في موقع معابر السّوري http://www.maaber.org/indexa/al_dalil_fe.htm#Simone_Weil

[ii] قالب من المعدن أو الورق يتم تفريغه على الأشكال المراد رسمها أو تلوينها على سطح ما.
[iii] يشير بيرجر إلى الرّسام على أنّه Tchou-Ta. وبما أنّه لا يوجد مرجع باللغة اليابانيّة، فالأرجح أنّه الرّسام الياباني Chu Ta الذي عاش في القرن السابع عشر (1626 – 1705) https://www.amazon.fr/Chu-Ta-G%C3%A9nie-Trait-1626/dp/2859405925

[iv] يشير بيرجر هنا إلى سجن غوستاف كوربيه بعد انهزام في كوميونة باريس التي استلمت الحكم لمدة قصيرة (18 آذار/ مارس – 28 أيّار/ مايو 1871) على يد الجيش الفرنسي النّظامي. أنهى كوربيه حكمه بعد أقل من عام، ثم فرّ إلى سويسرا خوفاً من الملاحقة ومات فيها بعد 5 سنوات (1877).
[v] بوجينا وروبرت من أصدقاء بيرجر في فرنسا. كانا ضمن الأسماء التي أهداها جون كتاب “Here is Where We Meet”.
[vi] القرن العشرين. من الواضح أن بيرجر كتب هذا النص قبل نشره في الكتاب بسنوات (2003).


الجمعة، 17 أكتوبر 2014

الحياة صغيرة ومثيرة للفضول

في البدء كان شعرك أبيض، وتستطيع أن تصرخ في الحرس الجمهوري: "لقد جفّت روحي من عمّان"- هكذا بالفصحى، وكانوا يتركونك تمرّ لأنّ قادة الانقلاب خاضوا حرباً لغويّة لإثبات تجذّر اللّسان البدوي في اللغة. كان ناهض حتّر وأحمد عويدي العبّادي يجلسان نهاية شارع القدس في ناعور، مرحّبان باللاجئين الجدد، مستبدلان قبّعاتهم السود بشماغ أخضر، ويسمحان، في أحيانٍ استثنائيّة، باحتفاظ الكهول بسوالفهم.
كانت الشّمس لا تزال تغرب هناك: وراء آخر أفق أخضر. وكانت الغيوم لا تعني المطر، وكان لكل غيمة شخصيّة تستطيع أن تكشف غربتها بإصبعك، وأن تشارك همومها بقلبك. ولم تكن ستتعلّم قبل الآن أن الله، لو كان موجوداً، لن يعلم أنّه الله.
ما كنت تسمّيه غضباً صار برداً، ما كنت تتودّد إليه أصبح أنت، وكل السيّارات التي أخطأتك، وكل انهيارات عواميد الضوء تتردّد عليك الآن.
في الثانية والخمسين، كل الشباب الذين ركضوا عنك ماتوا على السارية. وكنت تخبرهم ألّا يستمعوا إليك- "إليكم"؟ كان ذلك قبل 35 عاماً عندما استمعت إلى ليث شبيلات وهو يخطب فيكم: "لا تستمعوا إلينا". كان ذلك في الكرك، على حافّة تلك السّاحة التي يتوسّطها تمثال أو شيئاً ما قرّر أن يتوسّط مدينة. كان الخوف يومها متداولاً كتريلات اسمنت فقدت سائقها على الطريق الصحراويّ. ولم تكن تفرّق بين راية سوداء ودبّابة هولنديّة إلّا عندما تقتلك. الغربان ازدادت واستطاعت أن تتكلّم وتطقطق بلسانها، معظم اليهود هاجروا إلى مصر بدعوة من علاء عبد الفتّاح، واختبأ سمير الرفاعي في مغارة الفدائيين بجرش.
كان قد مر 15 عاماً، فبعد سنتين من قرارك بالهجرة كنت لا تزال تنتظر. لم تكن هناك مشكلة في تأجيل قبول الجامعات الأميركيّة فصلاً بعد آخر، كانوا يريدونك، وكنت تكبّس على شاشة الموبايل: كبسة لا بأس، كبسة تمام، كبسة ماشي الحال، كبسة الصورة على الثلاجة، كبسة الغداء عند "جوز هند"، كبسة الدفتر الأبيض، وكبسة يلعن تعريصك. لم تكن هناك مشكلة أبداً، إذ كنت تعتقد أن الحقيقة أهم من الواقع، وأن مبادئك أكثر فضيلة من المستقبل، وأن ممارسة الرياضة لسبعة أشهر كافية لتستطيع أن تتوسّط الجلسة كمدينة وتحكي وتخلط الشخصي بالعام من دون أن تخجل من إظهار حساسيّتك.
لم تجد ما يثير فعلاً في المشي. كنت تحاول فعلاً، لكنّك كنت تنظر إلى صورة نفسك وأنت تمشي، وتتخيّل أن اللويبدة مفتوحة أمامك كشارع غير ممهّد آخره بحر أو نافذة. كانت اللويبدة طريقاً، وليست نهاية، أو وعداً. عندما انتقلت إليها آخر مرّة جئتها بملابس جديدة ووظيفةً تستطيع فيها أن تتمنيك على فراس وزكريّا وتخبرهم عن 10 سنوات اخترت أن تكون فيها طبيباً لنفسك.
ورغم كل الذي يقال: لم تكن الذكريات شيئاً سيّئاً، الأمر يشبه أن تستيقظ مبكّراً يوماً وتحاول أن تفسّر للشخص الذي استيقظ مبكّراً ما الذي كنتما عليه الأمس. وفي أحيانٍ كثيرة تسقط في النوم أشياء صغيرة وممتعة: الطريقة التي جلستْ بها على رجليك وهي تقبّلك والتي لن تغادرك أبداً، نكتة مكشوفة تتبعها دبكة متأخرة مع نضال، دبكة فساد على رمل أصفر مع تامر خورما، سجن زيد وفادي ونهاد وعبد الله، صورة نهاد وعبد الله عندما خرجا من بوّابة السجن بوقتين مختلفين، وعندما وجد كلا منهما الآخر، احتضنا بعضهما، وبكيا أمام الكاميرات التي كانت ترصد هذه اللحظة. كان الأمر مذهلاً لأننا توقعنا صورة مثاليّة للمعتقل السياسي. نحن الذين راكمنا صوراً للفدائيين والاستشهاديين والمعتقلين كحالات فوق- بشريّة تترفّع عمّا نشعر في يوميّاتنا البسيطة وعذاباتنا المترفة.
الفرق في أن نهاد وعبد الله كانا يشعران بالقهر. وكان هذا واضحاً في الصورة: أربع أذرع تلتفّ على الكتفين، نهاد بشعره المحلوق حديثاً الذي يمنحه مظهراً أنيقاً ومكسوراً في آن، اختفاء وجه عبد الله في كتف شريكه في الاعتقال، وصورة المحامية لين خيّاط من ورائهما وهي متأثّرة من الموقف. كانت صورة مكسورة صنعها أشخاص مكسورين. وكان هذا ما تعمّد زرعه النظام سواءً في الإهانات النفسية والجسدية التي تعرضوا لها في مركز أمن العبدلي، أو في بيانات الناطق الإعلامي باسم الأمن العام، أو في مقالات محرر الشؤون المحلية في جريدة الرأي، أو في التلفزيون الأردني والإذاعات المحليّة. في تلك اللحظة، كان يبدو أنهم جميعاً نجحوا في ذلك. إلا أننا أدركنا لاحقاً أن الناشطان كانا يتصرّفان بعفويّة حمتهما من التحوّل إلى أبطال، وحمتنا من التصرّف معهما على أنهما مجرّد كليشيه آخر. كانا يتصرفّان بالضبط كما كان من الممكن أن يتصرّف أي واحد فينا.
لم تكن تعرف أنّك ستومئ برأسك إلى 10 سنوات وسيكون ذلك كافياً لمن هو أمامك ليبتسم. كنت تعتقد أنّك نجوت من الموصل ومن سحاب ومن الهاشمي الشمالي ومن ضاحية الأمير حسن، وكنت تعتقد أن ضابط المخابرات الذي أطل من نافذته وسأل أباك: "شو رأيك ندرسه بالعراق؟" آس-هول مصفّى. هناك حيث وجد قيصر شيئاً ما بين رعونتك وسذاجتك السياسيّة ما استطاع أن يسمّيه صداقة. وبطريقته التي دفع فرقها بشبابه الذي يبدو وكأنّه التهمه في السياسية بعينين تائهتين وحمراوتين، ووجه مجعّد وأسنان رماديّة، قال لك أنّه سيسمّي ابنه الأوّل على اسمك.
كانت مخاوفك تتكوّم حمّام في مدرسة أولاد. عدا ذلك رأيت أن تقوم بكل شيء للمرة الأولى: درّاجات هوائيّة تؤجّر بالساعة، أن تقرأ في مزرعة جدّك وأنت تفكّر في سيارة المرسيدس الخضراء والبيضاء التي ركنت أمام بوّابة المزرعة البعيدة. كنت تعتقد حينئذٍ أنّك إن وصلت البوابة وصلت جبل الشيخ. وأنّه هناك لا يوجد أطفال: فقط أفكار عن المراهقة والبلوغ وكل الكتب التي لم تفهمها.
كنت تشبه الأولاد الآخرين تماماً، وتختلف عنهم بوفرة الأمل والرضا، وكلّما ضاع مفتاح صغير شعرتَ بغربة لا تفهمها. وكلّما انتقلت من منزل إلى آخر، كان شاربا والدك يخفّان، وقبضتا والدتك التي تفركهما ببعضهما تزيد، وخزائن المطبخ التي تحتوي على علب الشوكولاتة الحمراء تزداد ارتفاعاً.
كنت تحبو على السفن الراسية في الخليج العربيّ وتصادق الهنود ورجال الشرطة. والحياة صغيرة ومثيرة للفضول يفسّرها لك الوقت الذي يلزم لتتّسخ أظافرك من رمل الشاطئ. وعندما تفاجأ الطبيب من عيونك كما قال لوالدتك: "عيونه هيك"- وسحب طرفا عيناه إلى الخارج، قالت له: "لطالما رغبت بطفل يابانيّ". لذلك، عندما لم تكن تجهل كل شيء وتخرج إلى الدنيا، كنت تحسّ بعتمة ناعمة أكثر ضجيجاً في الخارج تملؤها إشارات تومض وتختفي بوتيرة لم تكن تستطيع عدّها. لم تكن قادراً إلّا على تقليد هذه العتمة، لكنّك كنت تعرف أنّك كنت تقلّد نفسك، وبأنّها هذه هي الحقيقة، والواقع في مكان آخر أتى منه كل الأطفال اليابانيّون.

الأربعاء، 15 أكتوبر 2014

هجرة لا تنتهي






1

منذ أن شاهدت مونودراما "طه" لعامر حليل في اختتام مهرجان حكايا وأنا أقاوم رغبةً شديدة في التورّط بمقارنة طه محمد علي بمحمود درويش. فكّرت أن أدوات المقارنة جاهزة: كلا الشاعرين جاءا من نفس البيئة والمكان، لكن طه بقي فيهما مجازاً وعملانيّاً، ودرويش طردهما وبقي يطردهما حتّى أصبح مكاناً بذاته. المقارنة جاهزة إلى الدرجة التي يمكننا بها تصنيف الناس "العاديين" على أساسها بإيحاء من دوستويفسكي في رواية "الأبله" وبتصرّف منها: هناك فئتان من الناس العاديين: الأفراد المحدودين، والأكثر ذكاءً. الفئة الأولى آمنين بمجرّد أن شعروا بأنّهم قاموا بعمل حسن واحد يرضون بالقليل، وحتى لو أبدوا رأياً ظنّوا أنّه فكّروا فيه، بينما على الأغلب ربّما قرؤوه إمّا أن يشعروا بأنّه فعلاً رأيهم المستقل، أو بأنّهم فعلاً يمتلكون عاطفة طيّبة فيطمئنون. أما الفئة الثانية فأشخاص يعلمون أنّهم أذكياء لكن الشك يأكل نفوسهم مثل "دودة تظل تتآكلهم من الداخل، لذلك فهم أشقى بكثير من الفئة الأولى". وإن عملوا عملاً حسناً لا يطمئنون، بل "يغضبون من أنّهم أضاعوا حياتهم من دون الوصول لشيء"، ويظلّون يبحثون عن هذا الشيء طيلة حياتهم.
على هذا الأساس أفكّر بأن طه محمد علي هو نقيض درويش في كل شيء تقريباً: درويش امتهن السياسة وكتب خطابات أبو عمّار والزيتونات، وطه افتتح محل أنتيكات في مدينته صفورية. درويش كان يورّط كل ما حوله في غربته حتى يمكن أن نقول بأنّه كلما تعوّد على غربة اخترع غيرها، بينما تورّط طه في غربة واحدة طويلة لم يكن صلبها فلسطين، بل من أحب: أميرة. درويش حاضر بأناقته ووسامته ونزقه، وطه مخفي بريفيّته الظاهرة على وجهه غير الأليف وخجله من نفسه وعلى نفسه. درويش هو فلسطين التي حنّطناها في وشم لحنظلة على المؤخّرة، وطه هو فلسطين التي تبيع أنتيكاتها في بلدتها القديمة لأهلها.


2

يمكن، لذلك، مباشرة ربط شخصيّة طه محمد علي بأداء عامر حليل في العرض. وابتداءً بما قاله وائل قدّور: "العرض نموذج مثالي للتوازن الانفعالي بالتعاطي مع قضية كتير عاطفية (القضية الفلسطينية) فكان الأثر النهائي لرسالة العرض أتقل بألف ضعف مما لو كان العرض مبني فقط على مجرد استثارة الشفقة". لكنّني أعتقد أن حمولة قصة حياة طه الشخصيّة أنقذت أداء عامر الذي رأيته من قبل في مسرحيّة خطابيّة تشبه درويش، فلا تحتمل حياة الشاعر مجازات وتأويلات إلا ما كتبه في قصائده، فالشعر الـ"ذاتي بدرجة يتعذّر إصلاحها"، يقول عن الفلسطينيين ما لا يستطيع أن يقوله شاعر أو الصديقة العزيزة ريما بنّا عن فلسطين. وبالتالي: ظهرت ملامح القرية، وتفاصيل الهجرة والنكبة كصدى صوت راديو أبقاه أصحابه مفتوحاً لأنّهم سيرجعون.


3

أشاهد أداء عامر حليل لقصيدة لطه في الفيديو المرفق منذ عدة أيام وبشكل هوسيّ يكاد أن يخرّب البلادة التي نشعر بها جميعاً الآن. نحن ننظر إلى البناية ونقول: تهدّمت. ننظر إلى شبّان سمر يركبّون صفارات إنذار في عمّان ونقول: وي وي وي. ننظر إلى هواتفنا ونقول: ثمّة من يتّصل بنا. سحبنا قسراً إلى حيث القصيدة تعني النخبة، وحيث البلاغة اللغويّة تفسّر نصّاً مقدّساً، وحيث الحزن وتغيّر الفصول صنعة ثقافيّة، والتضامن مع الفقراء طقس ماركسي، وحيث أكتب هذا كله على الفيسبوك وبيني وبين السفارة الإسرائيليّة في الرابية 6 كيلو و500 متر.

السبت، 21 أبريل 2012

بطء اللاوعي البصري


I

جلستُ على الأرض أدخّن حتّى سالت المادة الصفراء على قدمي. جلست بوعي كلب، وحرفة ميكانيكيّ. جلستُ ونسيت أصبعي يختير ويصفرّ إظفره. 
جلستُ في الخطوة الثالثة ما قبل الشرفة التي كنت أحاول القفز عنها. هنا، حيث الشمس تختير ويصفرّ خاتمها.
هنا، وصفت حياتي بمربّعات، وحبست كل أصبع بمربّع، وقتلت كل قطٍّ وقع في مدخنتي. لأخرج هكذا: شاحباً، رماديّاً: كل الدم في البصاق أحمر، وكل القطط التي ربيتها في حياتي جائعة، وكل الأيدي التي وقعت عن التماثيل، وكل صمتٍ سقط في الجنس.

ثم هانت عليّ نفسي ووقفت أمام الشمس.
وجلستُ أفكّر في مكان مناسب لصورتها على الحائط وأنا أضيف البندورة إلى المادة اللزجة التي تبقبق على النار.

II

لصورتها ثلاثة أقسام يغطّي طرف كل منها الآخر، (من اليمين): الخلفيّة، الوجه، الشّعَر.
قالت أنها تحبّ هذه الصورة، وتهديني إيّاها. 
أحببت الصورة أيضاً، لكنني جلست أفكّر فيها. وعندما أغلق اللابتوب، تنقسم إلى ثلاثة أقسام في خلفيّة ذهني ببطء.
وبينما كنت أفكّر في الصورة قالت لي بأنها ليست مكرّسة للقضايا الكبرى: الأمر الوحيد الذي أعرف التصرّف فيه والإيمان بقدرتي على القيام به هو مرتبط بذاتي. أؤمن بذاتي كفرد لا يمتلك شعوراً بالانتماء. الأمر يشبه الانتماء إلى لحظات بعينها، إلى أمر آنيّ. وهذا ما يجعلك [هنا تنفصل عن ذاتها وتبدأ بالكلام عنها بصيغة الشخص الثالث] من الصعب أن تسيطر على عواطفك. يجعلك تدرك هشاشة وجودك.
صمتت قليلاً لتقول: أنا أتعرّض لحالات من الذعر تأتي من الفراغ. وما يفزعني هو التفكير فيما أستطيع تحقيقه قبل أن أختفي. اعتقدتُّ بأن مشاكلي مع الموت انتهت، لكن عندما تصبح الحياة مثيرة، وعندما أتعلّق بالناس، أكتشف بأنني أفزع.
الآن، تقول، لدي ما يحرّرني من كل الالتزامات. أريد أن أشتغل على حياتي، أريد أن أتعامل مع وجودي على أنه تجربة. أشعر بأنني الآن منفتحة على كل الاحتمالات، والآن سأبدأ بالحديث عن نفسي. هل قمت بطباعة الصورة؟

قلت لها: لا، لكنني وجدت المكان المناسب لوضعها.

وكنت وجدت البقعة المناسبة بالفعل. لكنني كنت أفكّر في الصورة، ولا أريد أن أعلّقها قبل أن أحتفظ بها في ذهني كما أتلقاها بصريّاً.
كنت أبحث عن النقطة التي تكثّفت فيها هذه الثلاثة أقسام لتصبح لحظةً واحدة، وتصبح، في الوقت نفسه أيضاً، عدّة أزمان.
يقول فالتر بينيامين: "الطبيعة التي تخاطب آلة التصوير الفوتوغرافي هي طبيعة أخرى غير تلك التي تخاطب العين".
أي أنها تفكّك ما نعرفه بصريّاً بالسرعة المعتادة إلى جزيئات مرتبطة باللاوعي البصري. لأننا لسنا قادرين على الاحتفاظ بصور دقيقة عن هيئة الآخرين.
نحن نحبّ صوراً لنا ونمقت أخرى لأن هيئتنا مرتبطة بفكرتنا عن أنفسنا. وهذا غير مرتبط بالشكل في أغلب الأحيان.

وبينما كنت أفكّر في بطء الوعي البصريّ، اكتشفت لماذا تحبّ صورتها. هي ببساطة أحبتها لأنها تشبه فكرتها عن نفسها: البطء، الفردانيّة، والهشاشة التي تتباين بين الضوء والعتمة.

ففي القسم الأول تكمن الهشاشة: خلفيّة باهتة ومشوّشة يظهر منها طرف باب: بهتان يُرَى، مُتّفقٌ على أنه موجود، لكن مختلف على تأثيره. وهي تميل برأسها إلى هذه الخلفيّة، لكنها لا تراها. تعرف أنها موجودة، لكنها تفضّل أن تطمئن على وجودها كي تتناساها. الماضي يعشّش في هذا البهتان. والماضي هو الذي يغذّي "هشاشة وجودها" التي تتكلّم عنها.

الهشاشة موجودة أيضاً في القسم الثاني. هنا يسقط عمود ضوء على وجهها وهي مغيّبة: الكاميرا تلتقط هذه اللحظة في الوقت ذاته الذي تغمض فيها عينيها، وتنقبض شفتاها ببطء، وتتحرّك عضلات وجنتيها لتشكّل، في ذروتها، نتوءان يحيطان بالطرف الأيسر من شفتيها. 
لا يبدو أن ملامحها منهكة من الضوء. وفي نفس الوقت، لا يبدو أنها تمانع ألا يكون الضوء موجوداً بهذه الكثافة. هي تستقبله وتتكيّف معه، بدون أن تكون معنيّة بوجوده من عدمه. وهي تفعل ذلك ببطء بينما يغطي شعرها معظم مساحة عينها اليمنى. 
وهذه اللحظة الآنيّة هي فكرتها عن نفسها: هذه اللحظة حيث تتولى كل روبوطات العالم حياكة كنزة من الصوف: بميكانيكيّتها العذبة وغير المرنة، بالوقت الذي يلزم لالتقاط كرة صوف تحت الصوفا، بعفويّة سقوط الضوء على الأيدي المعدنيّة الممسكة بعصي الحياكة.
وهي تبدو كما لو أنها تنظر إلى مشهد كذلك: خالقةً الفراغ الذي يلزم لإدراك بطئها، وفردانيّتها.

هنا يقع القسم الثالث على يمينها: يبدأ من شعرها، ويزداد قتامة إلى أن يصبح أسود خالصاً. وهي، بفعل الضوء، تغمض العين الأقرب إلى هذه المساحة التي تبتلع ثلث الصورة ولا تخلّف إحساساً بشيء: لا بليل، ولا بغموض، ولا سحر ولا كآبة. إنها فقط مساحة فارغة من فرط ما كان يشغلها أشخاص، أو لحظات أو أماكن. لحظة ميّتة في المستقبل. نجمة ميّتة تفكّر في ماضيها. 
المستقبل لديها ليس موجوداً فعليّاً إلا في الحاضر. والحاضر لديها آنيّ يسهل التفلّت منه. والماضي موجود في الخلفيّة يتم التشويش عليه بالضوء.
وهي كذلك.

الأحد، 25 مارس 2012


لم أقتل قطاً.
اعتقدت بأنني خوّفته ليهرب إلى المدخنة ويسقط.
اعتقدت بأنني سمعت سقوطاً. أو تخيّلت معاندةً 
أو يداً تسقط عن جبين

قتلت قطاً.
لم أكن أقصد؛ كان خائفاً وهرب إلى المدخنة فسقط.
سمعت سقوطاً، لكنني خضضتُ ماءً بفمي ونزلت على الدرج.
شربت قهوةً، دخّنت سيجارة، وأجهزت على زواج سابق.
قلت لصبية تعتقد بأنني أصبحت أجمل أن صديقتها أصبحت أجمل.
جلست إلى جوار أجمل صبية
ورميت الواقي الذكري وراءها.
كانت ترتدي قناع أحمد، وكنت أرتدي قناع أحمد.
دخلت إلى غرفة النوم، وتبعني إليوت: أشار إلى حذائي، وقادني إلى السرير:
وضعت حذائي على الباب، ونمت، وصرت جاهزاً للحياة.

الأربعاء، 8 فبراير 2012

قناع أحمد

قتلت قطاً.
لم أكن أقصد؛ كان خائفاً وهرب إلى المدخنة فسقط.
سمعت سقوطاً، لكنني خضضتُ ماءً بفمي ونزلت على الدرج.
شربت قهوةً، دخّنت سيجارة، وأجهزت على زواج سابق.
قلت لصبية تعتقد بأنني أصبحت أجمل أن صديقتها أصبحت أجمل.
جلست إلى جوار أجمل صبية
ورميت الواقي الذكري وراءها.
كانت ترتدي قناع أحمد، وكنت أرتدي قناع أحمد.
دخلت إلى غرفة النوم، وتبعني إليوت: أشار إلى حذائي، وقادني إلى السرير:
وضعت حذائي على الباب، ونمت، وصرت جاهزاً للحياة.

الأحد، 22 يناير 2012

إخواني البشر


إخواني البشر by Latakon




النادلات الكهلات رماديات الشعر

في ليل المقاهي

استسلمن،

وبينما أعبر أرصفة

الضوء وأنظر إلى نوافذ

الحاضنات

أرى أنها لم تعد معهم.


أرى بشراً يجلسون على مقاعد الحدائق

وأستطيع أن أرى من طريقة

جلوسهم ونظراتهم

أنها غادرتهم.


أرى بشراً يقودون السيارات

وأرى من طريقة

قيادتهم السيارات

أنهم لا يحِبّون

ولا يحَبّون

ولا يفكّرون في

الجنس. كله منسيّ

كفيلم قديم.


أرى بشراً في المتاجر

والسوبرماركيتات

يسيرون عبر الممرات

يبتاعون أشياء

وأرى من طريقة ملاءمة ثيابهم

لهم ومن طريقة سيرهم

ومن وجوههم وعيونهم

أنهم لا يبالون بشيء

ولا شيء يبالي

بهم.


يمكن أن أرى مئة شخص في اليوم

استسلموا

كلياً.

إذا ذهبت إلى حلبة سباق

أو إلى حدث رياضي

أرى الآلاف

ممن لا يكنّون شعوراً لشيء

أو أحد

ولا يتلقّون شعوراً

في المقابل.


في كل مكان أرى أولئك الذين

لا يتوسّلون شيئاً سوى

الطعام والمأوى

والثياب؛ يركّزون

على ذلك،

بلا أحلام.


لا أفهم لمَ لا يختفي أولئك

البشر

لا أفهم لمَ لا تنتهي

مدّتهم

لمَ لا تقتلهم

الغيوم

أو لمَ لا تقتلهم

الكلاب

أو لمَ لا تقتلهم

الزهور والأطفال،


لا أفهم.

أفترض أنهم مقتولون

لكنني لا أستطيع التكيّف

مع واقعهم

لأنهم كثيرون

جداً.


كل يوم،

كل ليلة،

تزداد أعدادهم

في قطارات الأنفاق وفي

المباني وفي

الحدائق

لا يشعرون برعب

أنهم لا يحِبُّون

أو لا

يحَبَّون


الكثير الكثير الكثير

من إخواني

البشر.




تشارلز بوكوفسكي

الأربعاء، 18 يناير 2012

وينظر إلى قدميه اللتان تلمعان الآن في عمود الضوء. وينظر إلى قدميه اللتان تلمعان الآن في عمود الضوء.

غرفة مستطيلة بشبّاكين: أحدهما في الجهة الغربيّة، والآخر في الجنوبيّة الغربيّة. الشّمس الآن تقطع المسافة بين الشبّاكين، إلا أن طرفها لا يزال يستعمل الشبّاك الجنوبيّ الغربيّ. 
يقع عمود من الضوء الباهت على طرف صوفا زرقاء كالحة ليمسّ طرف جينز  داكن [بأزرار] ملقى هناك.
ثمّة جينز آخر فاتح [بسحّاب] خارج عمود الضوء. البنطالان ملقيان فوق بعضهما، ويظهران، من اتسّاع خصرهما، حوضاً ممتلئاً لصحابهما.
ثمّة قميص صيفيّ كحلي مخطّط بالأبيض، ألقي فوقه جاكيت بدلة أسود لا تظهر تفاصيل قصّته.
على الطرف الآخر من الصوفا معطف حمّام أصفر نصف مبلول [بدليل اتجاه الوبر]، ملقى إلى جانب منشفة خضراء فاقعة. فوقهما كومة ملابس يتدلى من جانبها طرف معطف أنيق، وكمّ قميص كاروهات صغيرة جداً.
يكاد طرف المعطف أن يلمس فردة حذاء لا تزال أشرطته مربوطة. أما معطف الحمّام فيغطّي طرفه مقدمّة بوط بعنق متوسطة. مقدّمة الحذاءان تتجه إلى الجدار الذي رسم على منتصفه، بقلم رصاص، خط يتلطّخ ليترك بقع رماديّة.
مؤخرة الحذائين تتجه إلى مدفأة غاز مضاءة على شعلتين. وعلى سطح المدفأة الملطّخ فوطة صفراء عليها مفتاح غاز، وسكّين كبير يشير نصله إلى ثلاث صور معلّقة على الجدار المقابل لتوم وايتس، فرانسوا ساغان، ومارلين مونرو.
توم وايتس يحمل عصا المايكروفون بالتوازي مع رجله اليمنى. قبعته تكاد تختفي وراء يده اليمنى المرفوعة لتحمل المايكروفون، وجهه يتدلّى إلى الأسفل مغمض العينين.
ساغان مستلقية على بطنها في غرفة من الأربعينيّات، بشعر قصير وملامح تمنح الشعور بأنها لا تزال في السادسة عشرة، ترتدي تنورة كاروهات وبلوزة مقلّمة. تنظر مباشرة إلى الكاميرا وهي تضع أصبعها الأوسط على الآلة الكاتبة.
مونرو تلفّ نفسها بشرشف أبيض. لا يظهر من جسدها شيئاً إلا يديها التي تكسر بيضة في كأس حليب موضوع بصينيّة على طرفها الأيسر، ورجلها كاملة: من زاوية الحوض إلى أصابع قدمها التي تستند إليها.
مقابل جدار الصور يجلس "أ. ز"، وهو يكتب على اللابتوب، على صوفا زرقاء أقل بهتةً، قدماه مرفوعتان على طاولة صغيرة عليها فنجان أبيض متوسط الحجم موضوع على قطعة ورق مقوّى مرسوم عليها غاندي. ومطفأة تحتوي على تسع سجائر عكفت فلاترهم بنفس الطريقة، ملقط حواجب، ولاعتان: خضراء شفافة، وزرقاء صغيرة. وعلبة سجائر "كنت" عليها ولاعة صفراء.
يداه الاثنتان على اللابتوب، حاملاً سيجارة يكاد رمادها أن يسقط على الكيبورد. يرفع رأسه كل قليل ليصف المشهد الذي يراه ليكتبه.
وكل دقيقة يرفع نظره عن الشاشة ليفكّر، ناظراً إلى قدميه اللتان انحسر عنهما البنطال المخطّط بالأسود والرمادي والأبيض على جوارب رماديّة وخفّ بنّي ثقيل.
كل 10 دقائق يمدّ يده اليمنى إلى جانبه من دون أن ينظر ليلتقط زجاجة ماء ويشرب منها وهو ينظر إلى أكوام الكتب المصفوفة بعناية إلى الطاولة المتوسطة إلى يمينه: كتابان لأبير كامو بالإنجليزيّة، كتابان لستيفان تسفايج، كتاب لخالدة سعيد، وديوان سليم بركات، ورواية Naked Lunch لويليام بوروز، وكتاب لجون بيرجر، وكتاب قصص قصيرة لمحمد خير، وكتب لساغان وكونديرا ومي غصوب وشوماكواندو وعبد الكبير الخطيبي وماتي أونت وعلي الشوك وربيع جابر. وكتابان ضخمان لأومبرتو إيكو وجورجي أمادو. إلى جانب علبة مناديل وغطاء علبة وشاحن اللابتوب وعلبة سجائر أخرى وشوكة متّسخة.
يلمع موبايله الموضوع على حجره ليلتقطه ويقرأ عنوان الرسالة ويمسحها مباشرة.
يكتب كل شيء بمجرّد حصوله، ويصف كل شيء بمجرّد أن يتحقّق. وعندما تمشي الغيمة التي وصفها قبل قليل، يعود إلى ما كتبه ويعدّله حتى تختفي تماماً.
هنا يقع في المشكلة التي لطالما حاول تجنّبها: يفكّر في المشكلة، واضعاً يده الباردة على شعره القصير ليشتم رائحة عرق من تحت إبطه، ويتذكّر "تاء" التي قالت بأنها تحبّ رائحة عرق الإبط.
يفكّر في المشكلة وهو يقرّر أنه لن يكتب عن أي شخص آخر، حتى "تاء".
يفكّر في المشكلة وهو يقرّر أنه لن يكتب عن أي شخص آخر، حتى "تاء".
يكتب الجملة مرتين، ويقرّر أنه سيتخلص من كل هؤلاء الأشخاص عندما يكتب عنهم مرتين. 
ويعود ليفكّر في المشكلة وهو يشعل سيجارة أخرى.
ويعود ليفكّر في المشكلة وهو يشعل سيجارة أخرى.
ويحاول أن يمرّن نفسه على ألا يصف شيئاً سينمائيّاً أو مسرحيّاً، ويقرّر الاعتماد على الأفكار.
ويحاول أن يمرّن نفسه على ألا يصف شيئاً سينمائيّاً أو مسرحيّاً، ويقرّر الاعتماد على الأفكار.
يتفقّد يده المليئة بالجروح، ويعدّها: أربعة. ويحاول أن يستهلك الوقت بالكتابة كي يمرّر إحساسه بالموسيقى التي يستمع إليها بسمّاعتين صغيرتين. وينفر من شخصية الفرقة المتضخّمة التي تختار اسمها: Riding Alone for Thousands of Miles.
في البداية، كان يحاول كتابة مسرحيّة. لم يقرأ مسرحيات كثيرة رغم ولعه بصمويل بيكيت. لكن الفكرة جاءته حالما فتح عيونه صباحاً، وتخلّص من الأفكار التي انحسرت عن وعيه كما لو كان يزيح عن جسده أكوام قطن ناعم.
لكنه اكتشف لاحقاً أنه يريد فقط أن يستهلك الوقت كغيره. لذا، أقصى كل القصص التي يمكن أن يكتبها ويشوّهها، وكل الأفكار التي أراد كتابتها عن هيغل.
واكتشف أيضاً أنه يريد أن يتخلّص من الدهشة في الكتابة. أراد فقط أن يكتب بدون أن يترك أثراً. 
وينظر إلى قدميه اللتان تلمعان الآن في عمود الضوء.
وينظر إلى قدميه اللتان تلمعان الآن في عمود الضوء.
في الواقع، أراد أيضاً أن يتخلّص من الكتابة عن الماضي. وكلمات مثل: "في الواقع". ولأنه الآن يشعر بأقل ثقل للوقت، قرّر ألا يكتب عن ليلة الأمس، رغم أنه يرغب بذلك بشدّة.
هو، في الواقع، في الواقع، يريد أن يتخلّص من أي شعور من أي شخص تجاهه. ربما يتحسّن ذلك، كما قال لـ"أ" وهو يفتح علبة سجائر أخرى.
أولاً: ينزع غلاف البلاستيك الذي يغلّف طرف العلبة.
ثانياً: يفتح العلبة وينزع غلاف القصدير عن أطراف السجائر.
ثالثاً: يكوّم طرف غلاف البلاستيك، ويلفّ باقي الغلاف عليها.
رابعاً: يمسك كرة الغلاف البلاستيك بأصبعين، ويلفّ القصدير عليها.
خامساً: يضع الكرة في المنفضة.
ولأن المحادثة الأجمل تجري مع "أ" فقط، يخبره أنه سيتحسّن. لكنه سيعود دوماً إلى هذه المنطقة. لذلك، أرسل على رقم موبايله رسالة ليلة الأمس ليلة الأمس، وهو يفكّر في أن يخبر أحداً عنها أم لا.
لكنه يفكّر أيضاً في أنه سيختتم بها ما يكتبه.
لكنه يفكّر أيضاً في أن بوكوفسكي كان أيضاً غاضباً.
لكنه يفكّر أيضاً في أن بوكوفسكي كان أيضاً غاضباً.
وأنه يعتقد أن الطريقة الوحيدة لإنهاء كتابة هي أن يصبح المرء هادئاً فجأةً.
و"أ" يعتقد بأن "أ. ز" يجلس ليكتب لأنه لم يعد في مخيلته أحد ليتكلم معه.

الخميس، 12 يناير 2012

نصف حبيبتي

وثمّ أنني مشيت كثيراً. وفكّرتُ كثيراً بأرسغ مقطوعة تتدلى من حواف أسطح البيوت الباردة. لكنني لم أكن مكتئباً تماماً. لو كنت شخصاً آخر- قلت لنفسي، لأحببت هذه المدينة التي أقطع ربعها في الواحدة صباحاً خلال ساعة واحدة فقط.
وإذ سلّمت على نصف حرّاس السفارات؛ عرضت عليهم سجائري، ودخلت كشك أحدهم ولمستُ سلاحه وحدّثته عن ماري جبران. إلا اثنين، تجاهلتهما، وادّعيت أنني لم أسمع أحدهما يقول لي: "أوقفلك سيارة توصلك سيدي؟".
ثم فكّرت في عمّان شارعاً واحداً. وشعرت بأنني سأحب المدينة لو كان أهلها أكثر جنوناً قليلاً. كأن يصطادوا التماسيح التي تتخبّط ذيولها على حواف البرك الصغيرة.
هكذا، تجاوزت دبّابة بسهولة. وشعرت بأنني أترك حياتي لتسير أمامي من دون ندم.
تركتها، لأول مرة. وهكذا شعرت بالرضا.
وشعرت بأن البنك لو نفّذ تهديده وسجنني بعد أسبوعين أنني لا أبالي؛ فقد أطلقت حياتي، ولن ينافسني فيها أحد.
لا زاوية في منزل، ولا عشب يخضرّ ببطء تحت سماء فارغة، ولا كل الدراجات الهوائية في مسرحيات صمويل بيكيت وأفلام ثيو أنجيلوبولوص.
ولا حتى نصف كلمة "حبيبتي" على الهاتف التي أعضّ على أولها، وأترك آخرها تسير أمامي.

الأحد، 1 يناير 2012

المهرجون: بناة العالم

"أنا بخاف من المهرّجين"- قالت هذه الجملة وهي تمشي بسرعة نحونا لتحتمي بنا بعيداً عمّن ارتدى قبّعة ملوّنة لأحد فرق كرة القدم. كنّا قد بدأنا بالحديث عن أمور لا أذكرها. مجرّد حديث ليس له معنى بين رجلين في الساعة الرابعة والنصف صباحاً- حتى جاءت تلوّح بيديها الصغيرتين أمام وجهينا اللذين تخدّرا بابتسامتين بلهاء. لكنها لم تكن تنظر إلينا. كانت عيناها معلّقتان بخيط يتحّرك ببطء في الفراغ: جوفاء، تعكسان هاوية سوداء.
لم يكن توسّع عيناها أسودَ تماماً؛ كان لوناً يطمح إلى ما هو أكثر قتامة من الأسود. كانت بالفعل مفزوعة. وبقيت أفكّر في أنني لم أر سواداً بهذا العمق قبل الآن، بينما تهتزّ خصلات شعرها الشقراء الداكنة فوق جبينها العريض، ويلتوي طرف شفتها إلى زاوية مكسورة لليمين.
كنا، أنا والرجل الإيطاليّ، لا نزال نبتسم. ولم يفكّر أحدنا في طمأنتها. حتى أن ذهبت، نظر الإيطاليّ إلى زجاجة البيرة في يده، وصار يلوّح بها ببطء إلى الأعلى والأسفل.


"تعرف؟ أنا أخاف من المهرجين أيضاً. أو ربّما ليس خوفاً حقيقيّاً، لنقل أنني لا أشعر بالراحة وأنا معهم في مكان واحد."
كنت أحاول أن أبذل جهداً كبيراً في إبداء الاهتمام، أو حتى الإنصات بشكل جيّد. كان قد مرّ على مللي 12 ساعة تقريباً وأنا أحاول تطوير حاسّة اجتماعيّة تحميني من الاندفاع إلى الغضب بكل طاقتي.
أفلتت مني شحنات غضب مرتين، وكلتاهما باتجاه نفس الشخص. في مزرعة خارج عمّان أشعلنا حطباً في الفاير بلايس، وشربنا كل ما استطعنا أن نحمله معنا من نبيذ قبل الساعة العاشرة مساءً.
كنتُ أحاول أن أبدو هادئاً. لكن لحظات الغضب كانت تفلت مني في الحوارات التي أكون أنا في مركزها.
في المرة الأولى صرخت بوجهها، وتابعتها وهي تنهزم وتذهب لتحرّك الحطب الذي تجمّر في الفاير بلايس. وبعد أن انتهى الحوار، حاولت إقناعها بأنها انزعجت مني بدون جدوى.
بعدها بأكثر من ساعة كنا نتحدّث مع صديقها الذي جاء من سيناء عن الحلف بين قبيلتيّ الحويطات والترباني اللتان ساندتا لورنس العرب ضد العثمانيين. 
كنا نرتجف من البرد تحت عدد هائل من النجوم. وعكس ضوء نصف القمر طرفي وجهيهما بدون أن أدرك وقتها أنه يعكس وجهي أمامهما. وتمنيّت لو أنني أرى وجهي من مكانهما: ملتحياً، شاحباً. ببقايا الدم المتحجّر من جرح على أنفي، وعيني الغائرتان من كثرة ادّعاء الابتسام.
فجأة انتبهت إلى أنها لا تمرّر السيجارة التي خرجنا لتدخينها ثلاثتنا، فصرخت بها. إلا أن الموقف تحوّل إلى غزل خفيّ بينهما عندما قال لي الترباني بخجل من بين أسنانه البيض: "لا تتكلم مع صديقتي بهذه الطريقة".
لكن الإيطالي كان لطيفاً، ويتحدّث بودّ عن أمر شخصي جداً. كان مندفعاً، ويتكلّم عن نفس الموضوع بأربعة عشر طريقة. عرفت ذلك عندما بدأت بعدّها في المرة الرابعة وأنا أحاول أن أشاركه ليقطع نصف جملتي: "well I have the same disturbing feeling, but".
حتى هدأ فجأة على صوت أغنية "سوينغ" أخرى تنبعث من غرفة مغلقة أسميناها: غرفة الرقص المؤقت.
"أشعر بنفس الشعور المزعج، لكن تجاه الأشخاص الذين يغمرون المكان بشخصيتهم المسيطرة. أعني أولئك الذين يتمتّعون بالطاقة التي تجبر الآخرين على الاستماع. الذين يبدو طرحهم كاملاً وغير قابل للنقض. أميل للأشخاص المعطوبين، المشوّهين عاطفيّاً، الشّاردين، الذين تخفت طاقتهم وهالتهم إلى درجة غير مرئيّة. لا أشعر بأنني معنيّ بإيجاد طرق للتواصل مع المُبهرين، ولا أعتقد أنه بإمكانك بناء شيء معهم".
"هذا صحيح تماماً" - يبتسم بعمق كأنه عثر على خاتمة مثاليّة لهذه الليلة: "المهرجون بالنسبة إلي هم الأشخاص الذين تصفهم بالضبط: إنهم بكل بساطة مزيّفون، إنهم يمثلون طيلة الوقت بتلك الابتسامة المرسومة وكل التصرّفات المستعارة والإضافات المتكلّفة على مظهرهم".


في غرقة الرقص المؤقت رقصنا على "إنت عمري". رفيقتي في الرقصة قالت وهي تبتسم: "مش معقول، لم أرك منذ عدة شهور وكنت أتوسّل إليك حتى ترقص معي. ما الذي حدث وغيّرك؟"


في الطريق إلى المنزل في سيارة "تاء" كالعادة، كان نصف القمر ينحدر إلى زاوية غبيّة. موهومان بأننا سعيدين: تكلمنا كثيراً عن خطط السنة الجديدة.


عندما وصلنا إلى منزلي، خرجت من السيارة لأرمي أكياس القمامة في الحاوية على زاوية الشارع. كانت السماء تنفتح على ضوء يتسرّب من باب تركه أحدهم موارباً. وكانت "تاء" من وراء الزجاج الأماميّ تنظر إلى خيط يتحرّك ببطء في الفراغ. مفزوعة، بلون عينين أخفّ سواداً، تلوّح بيديها الصغيرتين، مودّعةً، أمام وجهها الشّاحب.


ولم أنسَ، كما أفعل عادةً، أن أخلع الأنف الأحمر والقبعة الملوّنة قبل أن أنام.
"أنا بخاف من المهرجّين"- قالت هذه الجملة وهي تمشي بسرعة لتحتمي بنا بعيداً عمّن ارتدى قبّعة ملوّنة لأحد فرق كرة القدم. كنّا قد بدأنا بالحديث عن أشياء لا أذكرها. مجرّد حديث ليس له معنى بين رجلين في الساعة الرابعة والنصف صباحاً- حتى جاءت تلوّح بيديها الصغيرتين أمام وجهينا اللذين تخدّرا بابتسامتين بلهاء. لكنها لم تكن تنظر إلينا. كانت عيناها معلّقتان بخيط يتحّرك باستمرار في الفراغ: جوفاء، تعكسان هاوية سوداء.
توسّع بؤب