الاثنين، 5 سبتمبر 2011

وكذلك الحريق الذي لم يبدأ بعد

لا تكن شاحباً by Latakon




اجلس أمامي، وضعْ على المنضدة ذلك البهاء الذي
أتعبَ مديحي؛ والمسافة أيضاً، مسافة الغضب المؤطّرة كصورة جدّ.. هاتها، وهات المساء المتدلي على صدرك كربطة عنق.
وافتح أزرار سترتك لأرى ما تبقّى. نعم: نجمة مختبئة، وبقايا معركةٍ؛ مسرحٌ وبلابل نائمة فوق سيفٍ..
ضعها كلها هنا، كلها، وكذلك الحريق الذي لم يبدأ بعد.

لا تكن شاحباً، فمعي ما تريد.

سليم بركات. من "الضباب المتّزن كسيّد"

السبت، 3 سبتمبر 2011

غرافيتي على الجدران الداخليّة

كالعادة: أكتب وأراسل أشخاصاً أتخيلهم مشدودين بكيبلات إلى عقولهم. أتلقى مكالمات دافئة عن أشخاص حانقين. يكاد صوت المتكلّم أن يقصي كل شتيمة تلمع برأسي. أشعر بأنهم يتكلمون عن شخص آخر، ولشخص آخر. أكتب. وأسمي القط الجديد "باشو". وأستضيف "جو" في الصالون لأنظفه من الدم المتجلّط على ذيله. أكره "ميمي" الآن بكل طاقتي، ولو لم تكن ترضع أبناءها الثلاثة، لكنتُ منعت عنها كلّ ما لن آكل.
أكتب عن فنان استشراقيّ يعترف بأنه مستشرق طارئ على المكان، ولا شيء يشدّني إلى شكلي الذي أحب انعكاسه على زجاج السيارات إلا قائمة أغانٍ عشوائيّة: إيليني كارايندرو، شجريان، مونو، Godspeed You Black Emperor، حسين عليزاده، آنيا ليخنر وفاسيليس تاسبروبولس، كيشاوا دايسكو، غريغور سامسا. أستطيع أن أستعرض الأسماء الصعبة التي أحبّها، لكنني دوماً أحب غريغور سامسا لأنه استيقظ في صباح إحدى الأيام ليجد أنه يشبه نفسه تماماً: صرصور.
على هامش معرض منى حاطوم في مركز بيروت للفن قبل عام، تصفحّتُ كتاباً توثيقياً لأعمالها القديمة. في تاون هاوس بالقاهرة، وإلى جانب باب موارب، وبدلاً من صورة الغائب، وضعت حاطوم لوحة بإطار وكتبت عليها "لأنك لا تزال هنا".
أدركت فجأة بأني بحاجة لإحاطة نفسي بغرافيتي على الجدران على رأي إدواردو غاليانو.
وهذا ما سأفعله على جدران مدينة بليدة، وعلى الجدار الداخلي لرجل بليد.

الخميس، 1 سبتمبر 2011

حياة غير مستعملة تُشحن بدون أن تُمَس (I)

طيب. سأكتب ما حلمت به الليلة مباشرة بما أنني استيقظت للتو. حلمت بأنني أنا نفسي: لست مخنوقاً وأستطيع الكلام والصراخ والمشي بحريّة. كان شيئاً يشبه Lucid Dream: واعياً بأنني أحلم، وقادراً على أن أتحرك في المساحة التي اقتصرت على مستشفى، سفح تل، منزل، ومقبرة على جانب الطريق.
لا أذكر كيف بدأ الحلم بالضبط، لكنني أذكر أنني وصلتُ إلى سفح تل، حيث كان مرسيل خليفة ينتظرني لأنسخ عنه شعره الرديء. كنتُ مريداً أحمل ورقاً أصفر ويابساً تآكلت أطرافه. وكان مرسيل بعيداً عني 10 أمتار: بشع، وأقصر من العادة، وأكثر سمرة، وأقل كارزميّةً. وشعرتُ بأنني محظوظ لأن الشمس، التي توشك على المغيب، تهبط خلفه مباشرة. ليمنعني وهجها من النظر إليه مباشرة.
أذكر أنني فكّرت: لا يهمني: لا أحبه على أية حال. كان عملاً من المفترض أن أنجزه وكفى. كنتُ موكّلاً بإنجاز هذا العمل فلأقم به. نشوتي الوحيدة تمثّلت في منظر سنابل القمح التي تصفرّ وتموت على سفح هذا التلّ تحت الشمس الحمراء. فكّرت: في حلم آخر سأكون أحد مريدي فان كوخ.
كنتُ في الواقع سعيداً، رغم فزعي الآن بأنني كنتُ قادراً على استحضار الهواء متى حوّلت نظري إلى السنابل الصفراء لتهب عليها. كنتُ داخل لوحة متحرّكة لفان كوخ، وكان لديّ عمل لأنجزه: حياة بسيطة غير مستعملة لا تُمَسّ.
وعندما اعتقدتُّ أنه انتهى من قصيدته، جاءني خبر بأنّ أبي في المستشفى. لا أعرف للآن كيف وصلني الخبر، وكيف انتقلتُ بسرعة إلى باحة مستشفى. عرفتها من اللون الأبيض الذي كان ينجز جدران الباحة. وكثير ممّن مثلي: "مرضى بطول البال"**، ينتظرون فيها.
هناك، اكتشفتُ أن شيئاً ما ورّطني بالقلق على مريضين آخرين رأيت، لاحقاً، أحدهما. كان المريض الأول، الذي لم أره إلا متمدداً على سريره أينما ذهبت، طويلاً وضخماً. أسمر بعينين منتفختين. شفتاه مزمومتان بشدّة كأنه لم يتكلّم منذ زمن طويل. ولأنني لم أر المريض الثاني، فتخيّلته ممتلئاً، باهت البشرة، عنقه مترهّلة وعيناه ممتلئتان بنقط صفراء.
يبدو أنني شعرت بالاطمئنان على أبي فعدتّ إلى التّلة مرة أخرى. هذه المرة إلى واديها. منظر العشب الأخضر وطويلي البال عليه والهواء الساكن وضعني مباشرة في لوحة "غداء على العشب" لإدوار مانيه. ورغم أنه كان نهار رمضان، إلا أن الوادي كان ممتلئاً بالناس من دون ازدحام. كان الجميع يتحرّك ببطء ويتحدّث من دون أن يتكلّم. حاول أحدهم أن يثير انتباهي ليلقي التحيّة بالابتسام لي. كان شوفير تاكسي ودوداً عاد لتوّه من نبع مياه غير مرئيّ عبّأ منه في بكرج الشاي. أومأت إليه مبتسماً وتابعته وهو يمشي إلى زاوية تجمّعت فيها زوجته المحجّبة وابنته المراهقة.
وعلى نفس المسافة التي فصلتني عن مرسيل، جلست "ر" تقرأ. الشيء الوحيد الذي كان يقطعها عن القراءة هو انزعاجها الواضح من أمر تفكّر به ولا تستطيع إقصاءه بالقراءة. تجاهلتني تماماً. ولم أستطع إلا أن أبصبص وأنا أطفو في الوادي على مسافة سينتيمترات قليلة، مفكّراً بأنني يجب أن ألمس الأرض على الأقل كي لا أفزعها.
بعد أن غادرتْ الوادي وهي تنظر إلى حيث أطفو من دون أن يتناقص غضبها، انتقلتُ إلى منزل مرسيل الذي كان حانقاً. فهمت أنه يبحث عن قصيدته التي نسختها له في السفح. فهمت أيضاً أنه يحتفظ بنسخة عنها. شعرتُ بالإهانة لأنه استكتبني من دون داعٍ. كان يؤشر بيديه ويصرخ ويدور في المنزل المتقشّف، إلا من قطع أثاث من الخشب، وهو يزداد سمرة وقصراً وبشاعة. فكّرت أن هناك أمور أهمّ: ثمّة مرضى يموتون، ومرضى يقرؤون، ومرضى يشربون الشاي في نهار رمضان في الوادي. التمعت في رأسي "كس أختك" مكتوبة بلون أسود حين انتزع الأوراق من يدي ووضعها على لوح خشبي في بهو المنزل. وعندما لم يجد القصيدة التي اختفت، والتي كنت متأكداً بأنني كتبتها، غادرت إلى المستشفى مرة أخرى. تاركاً معه شخصاً آخر غير مرئيّ شعرت به إلى جانبي طيلة الحلم.
كانوا ثلاثة: أبي ومريضان. لا يزال أبي مريضاً، لكنه كان قد دفن المريض الثاني للتوّ. ساعدته بحمل نقالة الموتى الخشب التي نام عليها المريض الأول ملفوفاً بالكامل بالباندج ووجهه إلى الأسفل. 
عندما ألقينا به في قبر إلى جانب الشارع قال لي أبي: "جهّزت القبر من قبل". ولم يبقَ عليّ إلا أن أهيل التراب الأصفر بمجروف وجدته مرميّاً على جدار منزل مجاور. وعندما انتهيت، لم أفاجأ عندما رأيت آثار عجلات سيّارة على القبر قبل أن ألحق بأبي.
كانت السماء واسعة ورطبة وتحتمل الكثير من الغيوم الرماديّة؛ كأنّنا فرغنا من رسمها للتوّ. وكنّا نسير معاً في الشارع المتّسخ: مرضى بطول البال.




* العنوان مقطع من قصيدة لعبّاس بيضون: "الواقع يعاد كما هو إلى الصناديق: حياة مستعملة تشحن بدون أن تمسّ".
** "مرضى بطول البال" عنوان مجموعة شعريّة لزياد العناني.

الثلاثاء، 9 أغسطس 2011

Sé feliz, hoja, siempre: nunca tengas otoño


لا أحد يعلم لماذا لبّى عازف التشليو الكاتالوني المنفيّ باولو كاسالس دعوة كينيدي الذي ساند نظام فرانكو. والذي، قبل أسبوعين من هذه الحفلة بالبيت الأبيض، اجتاح خليج الخنازير في قضيّة الصواريخ الكوبيّة. كاسالس يعزف هنا ترنيمة "أغنية الطيور" الفولكلوريّة، مع هورزوسكي وشنايدر، ولا أستطيع أن أفهم كل هذه الرقّة والحزن بمقابل كينيدي.


*"كوني سعيدة، دوماً، أيتها الورقة: علّ الخريف لا يأتك" العنوان مقطع من قصيدة لرفاييل ألبيرتي

41 مرّة كيرياليسون

وأخيراً، أجلس في تيرتل غرين محاولاً أن أتجنّب الكتابة بالفصحى من دون جدوى. أفكّر بالموضوع من زاوية أخرى: أحبّ الفصحى، لكنّني لا أكلّم نفسي بها.

منذ أن سافرت "نون" قبل أكثر من عام، اعتدتُّ على أن أكلم نفسي في الحمّام تحديداً.  أحياناً أخاطب قططي الخمسة بأبويّة قميئة: "يللا ناكل"، "ليش موسخ حالك؟"، "انت شو طلعت بالآخر؟ شب ولا بنت؟".

أذهب إلى الحمّام بداعٍ أو من غير داعٍ. أحياناً أملّ من العمل على اللابتوب، وآخذ كتاباً إلى الحمّام محاولاً أن أُخرِج من دون جدوى. في النهاية، أضع الكتاب فوق ما كدّسته من قبل، متجاوزاً "الأبواب الكثيرة" لأعود إلى الصالون.

يمكنني أن أقضي في الحمّام أكثر من نصف ساعة: أنظّف، وأضع سائل التنظيف برائحة الليمون، أرجئ تصليح النيغرة إلى وقت آخر، وأراقب تدفّق المياه يجري في البيديه بدلاً من أن يصبّ في النيغرة نفسها.

أقضي وقتاً طويلاً أتذكّر فيه مقطعاً من قصيدة لأسامة الدناصوري: "لماذا تشعر بالوحدة.. وبإمكانك تمضية الليلة بالحمام، تصفق قبيل اندفاق البول من مثانتك، ثم تنحني متأملا الرغوة الكثيفة، لتفكر في أول كأس شربته من البيرة، وأول يد عمياء أطبقت على قضيبك".

وهناك، أقول لنفسي جملاً صغيرة لا تتجاوز كلمتان أو ثلاث. جملاً صغيرة تبقى هناك وتأخذ شكل الحمّام. جملٌ أردّدها بسرعة ولذّة مصحوبة بهزّ للرأس وحركات عصابيّة بيديّ وأرجلي. ولأن كلّ ما يحدث في الحمّام يبقى فيه، أشعر بأنني أعتني به وبنظافته فقط لهذا السبب.

أحياناً أشطح بالتفكير بعد أن أنتهي من هذه النوبات اللذيذة، وأنا أردّد لنفسي "أنا آسف، أنا آسف"، أو "ما بدّي أنام". ولهاتين الجملتين جذورهما. أحياناً أشطح في مكان سورياليّ بتأثير ممّا أقرأه أو أسمعه. فعلاً. لأن ما يشكّل خلفية حياتي اليوميّة جمل معيّنة من قصيدة أو رواية أو حتى خبر. وفي الطرف الآخر، يبقى توم وايتس بتأثيره المدمّر أذكى وأعنف وأرذل من يمكنه أن يستبيح تلك الحديقة السريّة المظلمة.

اليوم مثلاً، طلبتُ من آخَري التحدّث مع ذاتي. قلت له: "احكي لـ أ. إنه بدّي أحكي مع حالي". في الواقع كنّا ثلاثة، مثلنا مثل ج. م. كويتزي في روايته "زمن الصيف": كويتزي رجل ثالث، والشخصان الآخران هما كويتزي الآخر، وكويتزي الكاتب. انطباع كويتزي عن نفسه أنه بلا حضور جنسيّ. انطباع الآخر عن كويتزي أنه "طائر غير قادر على الطيران". وانطباع الكاتب عن كويتزي أنه يكتب عن نفسه بصيغة الرجل الثالث.

لطالما جنّدتُ مؤشرّاتي للبحث عن شخصيات كويتزي والمعلّم صموئيل بيكيت في داخلي طويلاً من دون جدوى؛ تلك الشخصيّات المهملة القذرة المسجونة داخل يأس عبثيّ. ولأنني أمقت الروايات الجمعيّة التي تتحدّث عن أفكار عظمى أو حتى تلك التي يزيد عدد شخصياتها عن الخمسة، أفزع عند قراءتها كأن أحداً ألقى بِحارة في منزلي. ولأنني أمقتها، فتّشتُ عن الشحّاذين والسارقين والعجائز، المصابين بدون أمل، المرضى والمشرّدين، متسّولي الوحدة وبائعيها.

ووجدتّ هذه الشخصية في الحمّام؛ حيث أستطيع أن أنظّف، وأشطح، وأتبوّل، وأفكّر في الدناصوري وكويتزي وبيكيت ووايتس. لكن كل ذلك كان يتحوّل مع الوقت إلى مزار لكائنات محنّطة. وكان، بمرور الوقت، يشبه علاقتي بأصدقائي.

علاقتي بأصدقائي تشبه علاقتي بالحمّام. المزار الذي ألقي فيه بتعبي وعصبيّتي لا يرتدّ عليّ إلا بابتسامات ناشفة ومحنّطة. يحتفظ بشخصيتي الطارئة، يدلّلها ويحنو عليها، ويبقي خسائري الصغيرة ويراكمها. لذا، تمنّيت في الفترة الأخيرة أن يناكفني أحد، أن يستجب لعصبيّتي بعصبيّة. أن يحشرني في الزاوية ويشتم أيدولوجيّاتي ومبادئي، وينكر عليّ كل ما حقّقته، وينشر أمامي كلّ ما لم أحقّقه.

لم يحصل ذلك إلا مرة واحدة. صديقة صنّفتني على أنّني مجرّد "هيبّي" آخر من "الهيبّيز" الذين كانوا يتظاهرون في ميدان التحرير لأنهم لم يفكّروا في فلسطين أثناء الثورة المصريّة. وقتها حملت حقيبتي، وببطء تكلّمت وأنا أضع الحزام على كتفيّ: "مش ذنبي إنّي ما عندي انتماء". ثم خرجت من منزلها.

كنتُ ممتنّاً لهذه اللحظة.

وأنا أذكرها الآن في تيرتل غرين، يحاول شاب أن يدخل يده بين فخذيّ صديقته. لا يبدو أن صديقته تمانع، أو حتى معنيّة بنظراتي. كلّ ما أتمناه الآن أن تختفي هذه الرّغبة المزيّفة بتلمّس امرأة في المقهى، وأنّ يدُس صديق على قدمي لمجّرد أن يقول لي : "أنا آسف، أنا آسف".

* كلمة "كيرياليسون" (يا رب ارحمنا) تقال 41 مرّة في الصلوات المسيحيّة للتذكير بتعذيب المسيح: 39 جلدة، وإكليل الشوك الذي غرس في جبينه، والحربة التي طعن بها في قلبه. وكما في العقليّة الشيعيّة، المؤمنون من الطرفين يسعون، عبر طقوسهم، إلى التكفير عن ذنوب العالم الذي افتداه المسيح، أو حارب من أجله الحسين. هم يقولون ببساطة: آسف.

الاثنين، 1 أغسطس 2011

درب التبّانة

كلّ ما أستطيع التفكير فيه الآن أنّني سأستيقظ غداً، وأفتح باب غرفة النوم لأمشي في حواري باب توما. لن يكون معي أحد، ربما سأستحضر شخصاً أو اثنين. على أن يكون قصير القامة بما يكفي لأسبقه بخطوة على الأقل. صامتٌ بما فيه الكفاية كي أتكلّم. حزينٌ بما يكفي لنكتئب سويّاً على شيء لا نعرفه ندّعي أنّه وجوديّ.
كلّ ما أستطيع التفكير فيه أنّني أفتح الباب مرّة أخرى على طاولة أمام بحر اللاذقيّة. وأنّني سأنصت إلى غراب بشعر أبيض وهو يخبرني أنّ هذا التشكيل المائيّ السخيف هو ما يراه غراب بشعر أبيض على طاولة في فرنسا بالمقلوب.

كلّ ما أستطيع التفكير فيه أنّني أفتح الباب، وأتخفّف من الهويّات، وترتفع الأمكنة عن مسمّياتها. حينها سأدّعي أنّني جزء من المكان. أنّني أفتح الباب، لأحبّ صبيّة ممتلئة مرّة أخرى لتقول لي: "قلبه الذي يصبح أجمل كلّما غادرته امرأة".

أنّني سأفتح الباب

الخميس، 28 يوليو 2011

السادسة والنصف

منذ ثلاثة أيام وأنا أستيقظ منتشياً في الساعة السادسة والنّصف صباحاً. أنهض بطاقتي كلها؛ عضلاتي ترجف من النشوة، وقلبي يدقّ بعنف لا أستطيع معه أن أميّز إن كنت سعيداً أو مفزوعاً. أنظر إلى موبايلي وأعرف أن فيه ثمّة مخرج إلى حياة أتناسل بها على هيئة رجل سعيد ومنفعل. أنظر إلى الباب وأعرف أن وراءه ثمّة حديقة تفكّر بقمصان خفيفة وقطط خمسة. أنظر إلى الكتب على الطاولة المغبرّة وأعرف أن فيها ثمّة سليم بركات بقضيب صغير ومؤلم. أنظر إلى النوم وأدخل فيه ناسياً كل ما نمت من أجله.


حين يغلبني النوم،
أقول وداعاُ للمنزل
وأضع في قلبي
كل ما لا يستطيع الإبحار فيه.


تشارلز سيميتش

الجمعة، 22 يوليو 2011

Jesus' Blood Never Failed me Yet

بينما كان Gavin Bryas يعمل على تأليف موسيقى لفيلم تسجيليّ عمّن يعيشون في المناطق المهملة ببريطانيا للمخرج Alan Power، كان العديد من المخمورين يقتحمون مواقع التصوير وهم يغنّون. غنّى بعضهم مقاطع من الأوبرا، أغانٍ شعبيّة، وكان بعضهم يرتجل أغانيه. إلى أن أتى عجوز وغنّى Jesus' Blood Never Failed me Yet.
لم يستخدم آلان الأغنية في الفيلم، لكن غافين حصل على الكاسيت الذي سجّلت عليه الأغنية، ولاحظ أثناء الاستماع إليها في المنزل أن البيانو مدوزن عليها، ليرتجل لحناً مرافقاً. ولأنه لاحظ أيضاً أن أول جزء من الأغنية يمكنه أن يعاد بلا توقّف “Loop” بشكل يصعب توقّعه، أعاد تسجيل الأغنية على كاسيت، ناوياً أن يسجّلها بمرافقة أوركسترا كاملة.
استولت الفكرة على غرافين، الذي كان وقتها يدرّس في قسم الفنون بجامعة ليستر. في إحدى المرّات، ترك الكاسيت لينسخ، وذهب ليشرب فنجاناً من القهوة تاركاً باب الاستوديو، الذي يطلّ على محترف للرسم، مفتوحاً.
عندما عاد، لاحظ أن المحترف الذي تغمره الحياة هادئاً على غير العادة. الناس تتحرّك بهدوء، وجلس بعضهم على الأرض يبكون.
مات المغنّي قبل أن يستمع إلى الأغنية التي صدرت في اسطوانة (1977) بـ74 دقيقة. ولاحقاً في التسعينيّات، سجّل توم وايتس صوته مرافقاً الأغنيّة.


متلازمة ستوكهولم

تخلّفت عن دفع إيجار المنزل لثلاثة أشهر حتى الآن. لا أعرف كيف حصل ذلك. كأنّني كنتُ أركض بحياتي بخطين متوازيين: "أ. ز" الذي يعمل ويكدح طيلة النهار في ورشات الميكانيك، و"أ. ز" الذي يدّعي أنّه سليل مقاهي وبارات عمّان. ورغم أنّني استقلتُ من عملي في الورشة، إلا أنني مهووس بمراقبة ردود فعل أصدقائي، الذين تصدر عنهم رائحة جميلة أضطّر معها لتجنُّب الالتصاق بأحدهم، عندما يعرفون عملي الحقيقيّ.

كنتُ أركض بحياتي بخطّين متوازيين: أحدنا كان ينهي عمله ويذهب إلى تيرتل غرين بملابسه الباهتة من الغسيل السيء والسريع، والآخر كان يتسلّل إلى المنزل في آخر الليل كي لا يصطاده "أبو وائل".

بنى "أبو وائل" البناية في أواخر التسعينيّات، بعد أن تقاعد من عمله كمترجم في السعوديّة. حمل الستّينيّ نموذجه الكادح في الخليج ليموت في بنايته التي خصّص منها شقّتين لأولاده: "وائل" المصاب بمرض عصبيّ، أظنّه التوحّد، يمنعه من العمل، و"أحمد" الذي يحتل منصباً إداريّاً في مصنع بسحاب.

لا تستحق شخصية "أحمد" أن تملأ فراغ جسده ومحيطه. لكن توتّر "وائل" المستمرّ في ارتجاف جسده وطريقة كلامه، إضافة إلى شعره الرمادي وبياض بشرته الباهت وعلاقة كل ذلك بداستن هوفمان في فيلم Rain Man، يغمرني في كل مكان أجده به بالصدفة.

وكثيراً ما أصادفه.

مرتدياً قميصاً وبنطلوناً فاتحي اللون. يتمتمُ وينظر إلى الأرض وهو يصعد الشارع القائم بزاوية حادة إلى البناية. يمشي بخطوات صغيرة ومتوتّرة بصورة لولبيّة: من يمين الشارع إلى يساره. أو حاملاً شنطةً في الجامعة الساعة السابعة والنصف صباحاً، يحييني ويبرّر وجوده بأنه ذاهب إلى المكتبة ليقرأ. أو على باب البناية ملقياً عليّ التحيّة بالاسبانيّة، متحدّثاً عن سعادته بفوز ماريو فارغاس يوسّا بنوبل الآداب.

بعد فترة، أخبرني "أبو وائل" أن إيجار شقّتني يذهب مباشرة إلى يد "وائل". هذا ما جعلني أشعر بأنني، بشكل ما، مسؤول عن توفير حياة الأخير. لم تتغيّر علاقتنا. حتى وهو يتّصل بي مطالباً بالإيجار بكل خجل. أو عندما يرسل لي مسجاً يتمنّى لي فيها مساءً سعيداً. لكن بعد أن تخلّفت عند دفع الإيجار، أمرني "أبو وائل" بألا أتحدّث مع أحد غيره، على أن تكون العلاقة مباشرة معه.

لم أعد أتلقّى هواتف "وائل" ولا مسجاته. وأصبحنا نكتفي بالإيماء عندما نلتقي، كأنّ شرخاً حدث بيننا. شعرتُ بالذّنب لأنني اعتقدتُّ أنّه أراد صديقاً يمكنه أن يساعده ويتحدّث معه بنفس الوقت. 

لم أعد أسمع أخباره. إلى أن أخبرني "أبو وائل" أن زوجته أنجبت طفلاً ثانياً، وأنّها تعرّضت لنزيف أثناء الولادة. في الواقع، لا تلبث أن تتحوّل المكالمة اليوميّة التي يطالبني بها بالإيجار إلى حفلة تذمّر من كل شيء: الأحفاد الذين جاؤوا مع بناته من دبيّ، الهاتف الذي أتاه بنص صلاة الجمعة يطالبه بـ1700 دينار، المياه التي لا تأتي من البلديّة بموعدها، الجو الحار، النباتات التي تموت رغم كلّ شيء، وزوجته التي ماتت رغم كل شيء.

هذه الشكاوى تتحوّل إلى عبء كبير عندما نتحدّث أمام باب شقّته. حينها، يتعاظم شعوره بالاستسلام والكبت والحاجة إلى البكاء.

في إحدى المرّات التي أوصلتني بها "تاء" إلى المنزل، تحدّثنا عن الكآبة التي تسيطر على حياتنا رغم خطوط الدّفاع الكثيرة التي نحفرها حول مساحات إشغالنا الخاصّة. أخبرتها وقتها أنّنا ببساطة بحاجة إلى الآخرين، رغم أنّني لم أكن مقتنعاً بذلك. ولكي أذهب لأبعد من مجرّد المناقشة، أخبرتها عن فيلم Crash، وكيف تشعر فيه الشخصيّات بالحاجة إلى الآخر في مدينة قاسية مثل لوس أنجيليس. الحاجة إلى الآخرين تتعاظم من الكبت وادّعاء القوّة، حتى لا يجد أحدهم طريقة للتواصل مع الآخرين إلا بالتصادم.

لاحقاً، أخبرتني "تاء"، ونحن في نفس الطريق، صامتين وكئيبين، بأنّ ما قلته لها موجع. معترفةً ضمنيّاً بأنّه صحيح.

ربّما لذلك، تجرّأتُ على اقتحام مساحة "أبو وائل" الخاصّة، وشعرتُ بالحاجة لأن أضع يدي على كتفه. عندما فعلتُ ذلك ونحن نتحدّث أمام باب منزله سكتَ فجأةً، ولم يعد قادراً على النظر إليّ.

كنتُ في تلك اللحظة سجّاناً قرّر أن يتعاطف مع ضحيته. وهكذا، كنتُ دوماً سجّان حياتي.

الخميس، 21 يوليو 2011

الحتّة القاسية

أوكي. لندّعي أنّنا ما زلنا معاً. وأنّ ما حصل تلك الليلة أنّك "شلتي الحتة القاسية بقلبي وأكلتيها"* ليس أكثر. لنّدعي أنّني سأيقظك غداً في الساعة السابعة وعشرة دقائق. وأنّنا سنتحدّث قبل ذلك على السكايب، ونلعب لعبة السجائر. لطالما كنتُ أصفن بطريقة تدخينك. كيف تحملين السيجارة من نصف فلترها البنّي وتضعين الباقي في زاوية البنّ من شقّ شفتيك. كنتُ أصفن كثيراً بمرآة نفسي. أصفن حتى يحمرّ خدّاك. كأنني أراكِ لأول مرة. أو كأن نجمةً ميّتةً، مثل تلك التي تلمعُ فوق شعري غير المغسول، تنظرُ إلى ماضيها. كان كل الإرهاق والتوتّر الذي يغمر أعصابي ينسحب بسرعة إلى حيث تتعبين. إلى حيث يمكنني أن أراكِ وأنتِ ترفعين السيجارة من نصف فلترها البنّي وتحرّكين يدكِ وتدندنين أغنية نسعمها سويّاً. لندّعي أنّني لا أزال أفكّر في شكل قدميك على الأرض. أنّني أفكّر فيما إذا كنتِ حافية لتتحرّك مخيّلتي، أو أنّك ترتدينَ صندلاً لتتحرّك يداي. لندّعي أنّنا نتفاوض على فرد شعركِ بعد الساعة الواحدة صباحاً. لندّعي أن كوافيراً ثرثاراً ينتظر وراء الباب بسشوار أحمر. لندّعي أنّنا نستقيل من أعمالنا، ثم نخطّط لخراء الأيّام التي سنشحد بها. أنّنا سنكون أكثر حريّة. لندّعي أنّكِ الآن لستِ على الجيميل ولا الماسنجر ولا تويتر ولا الفيس بوك ولا سكايب. أنّكِ غداً ستضعين ذراعكِ على ركبتي، وأنّني سأتحسّس طرف لسانك بلساني عندما تذهب "تاء" إلى الحمّام. أنّ جسد حسين البرغوثي يُجرُّ من غرفته إلى المشرحة على عربة بعجلات صدئة فقط في مخيّلتنا. وأن كميليا جبران لا تزال ترتدي بناطيل واسعة. لندّعي أن "قلبي كهف مفتوح"، وأنّ "الحلوة فهمت"**.

وعندما يحصل كل ذلك، لندّعي أنّ ذلك الشّرخ لم يحصل إلا هنا، بالضبط، حيث يؤلمك. وهنا بالضبط، حيث يرتطم مكعّب ثلج في جوفي كلّما فكّرتُ فيكِ.



*من قصيدة لعبد الرحمن الأبنودي. بتصرّف.
** من أغنية "ثلاثين نجمة" لفرقة صابرين.

الثلاثاء، 19 يوليو 2011

نادي الله يشرب معنا بيرة*




*الجارة وهي تصفق باب السيارة التي أعادتها إلى بيتها الثالثة صباحاً

الليل دا زيّ عطيل، وكل شيء ديدمونة

أكتب، أترجم، أدقّق، أحرّر، أنسّق، أراسل زميلاً في تونس، وأبعثُ بنسخة مترجمة إلى زميل آخر في الدينمارك. وأكاد أن أرسل إيميلاً إلى صديق ودود بذيل حصان لا أتخيّله ببالي إلا بخدّين حمراوين، ودود جداً، ودرافت البيرة التي لا تنتهي بيده الجميلة. أفكّر في أن أعدّل ميلان صورة فرانسوا ساغان أمامي لكنني لا أريد. ولولا أنني أسندتُّ أضخم إصيص لنبتة ميّتة على الباب المخلوع، لكنتُ استقبلت كل القطط القذرة في الشارع، وكل ما نسِيَتْ أن تأكل. أقول لنفسي: عندما أنتهي من كل هذا سأنزل وألمّ الخردة. القمر شبه مكتمل وأصفر. حينئذٍ فقط، سأتذكّر فاسلاف هافل وهو يكتب لزوجته من السجن: "سأكون سعيداً لسماع الأشياء تسمى بأسمائها مرة أخرى".
وعندما أصل إلى المنزل لن أستحمّ. سأخلع ملابسي كلها، وأستلقي على السرير وأقرّر، للمرة الثالثة عشرة، بأنني سأتخلّص من عبوة الواقي الذكريّ المستعملة في اليوم التالي.

* العنوان من قصيدة لصلاح جاهين

وغلّقت الأبواب

قبل قليل دخلت إلى الحمّام. أغلقتُ "الأبواب الكثيرة" كما تسمّيها ورائي كي لا تلحق بي إحدى القطط الخمسة وتخترق غرفة النوم. وبينما كنت أفتح الباب الثاني أو الثالث، استطاعت "ميمي" أن تدخل بنعومة من المسافة الضيّقة. ومباشرة، قفزت على السرير وأخذت تصرخ بوجهي. حملتها ناوياً أن أخرج بها لأجد أنها استسلمت تماماً إلى صدري: يديها على كتفيّ، وقدميها على بداية معدتي المتضخّمة. أما رأسها فكان مرمياً على رقبتي. كدتُ أبكي لأنني لم أقترب منها منذ أشهر، وشعرت أنها بحاجتي. فتحت الباب ليتسعنا نحن الاثنين، ووضعتها على الأرض بجانب أبنائها الثلاثة وشريكها. أقفلت الأبواب الكثيرة ورائي، وبدأت أتذمّر من كثرة الأبواب التي يجب أن أغلقها كي أكون وحدي.



هناك الآن، حيث تسقط الكسرة الأولى
عن المائدة
تحسبُ أن أحداً لا يسمعها
عندما ترتطم بالأرض.
لكن في مكان ما
بدأت النمال تعتمرُ
قبعاتها الخاصة
وانطلقت لزيارتك.

تشارلز سيميتش